عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

16

اللباب في علوم الكتاب

فرق طاعم » ، وقيل : لأنه في تأويل : « أول من كفر به » . وقيل : لأنه في معنى : لا يكن كل واحد منكم أول كافر ، كقولك : كسانا حلّة أي : كل واحد منّا ، ولا مفهوم لهذه الصفة هنا ، فلا يراد : ولا تكونوا أول كافر ، بل آخر كافر ؛ لأن ذكر الشّيء ليس فيه دلالة على أن ما عداه بخلافه . وأيضا فقوله : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ دليل على أن كفرهم أولا وآخرا محظور ، وأيضا قوله : رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [ الرعد : 2 ] لا يدلّ على وجود عمد لا يرونها ، وقوله : وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [ آل عمران : 181 ] لا يدلّ على وقوع قتل الأنبياء بحق . وقوله بعد هذه الآية : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [ البقرة : 41 ] لا يدلّ على إباحة ذلك بالثّمن الكثير ، فكذا هاهنا ، ولما اعتقد بعضهم أن لها مفهوما احتاج إلى تأويل جعل « أول » زائدا ، قال تقديره : ولا تكونوا كافرين به ، وهذا ليس بشيء ، وقدّره بعضهم بأن ثمّ معطوفا محذوفا تقديره : ولا تكونوا أوّل كافر به ، ولا آخر كافر ، ونصّ على الأول ؛ لأنه أفحش للابتداء به ؛ وهو نظير قوله : [ الرمل ] 433 - من أناس ليس في أخلاقهم * عاجل الفحش ولا سوء الجزع « 1 » لا يريد أن فيهم فحشا آجلا ، بل يريد لا فحش عندهم لا عاجلا ولا آجلا . والهاء في « به » تعود على « ما أنزلت » . وقيل : على « ما معكم » . وقيل : على الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ لأن التنزيل يستدعي منزلا إليه . وقيل : على النعمة ذهابا بها إلى معنى الإحسان . فإن قيل : كيف جعلوا أوّل من كفر به ، وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب ؟ فالجواب : من وجوه : أحدها : أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ؛ لأنهم كانوا هم المبشّرين بزمان محمد - عليه الصّلاة والسّلام - والمستفتحين على الذين كفروا به ، فلمّا بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [ البقرة : 89 ] . وثانيها : المراد : ولا تكونوا مثل أول كافر به ، يعني : من أشرك من أهل « مكة » ، أي أنتم تعرفونه مذكورا في التوراة والإنجيل ، فلا تكونوا مثل من لم يعرفه ، وهو مشرك لا كتاب له .

--> ( 1 ) البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري من عينيته الشهيرة ، ينظر شرح المفضليات للتبريزي : 2 / 886 ، والبحر المحيط : 1 / 333 ، مجمع البيان : 1 / 210 ، الدر المصون : 1 / 206 .